ماذا يفعل تحديدًا؟ وماذا يُمنع عليه؟ ننتقل في هذه الوحدة من سؤال الوجود إلى سؤال الوظيفة. بعد أن استقرّ في أذهاننا من يكون هذا النموذج، يظهر تلقائيًا السؤال التالي: ماذا يفعل تحديدًا؟ فالهويّة وحدها، على أهميتها، لا تكفي لضبط السلوك اليومي. قد يكون النموذج أكاديميًا، أو لغويًا، أو تحليليًا، لكن داخل هذه الهوية الواسعة يمكنه أن يتصرّف بأدوار متباينة، بل ومتعارضة أحيانًا. وهنا تبدأ الحاجة إلى مفهوم الدور. عند غياب الدور، يتصرّف النموذج بوصفه كيانًا مرنًا بلا مهمة محددة. يُجيب، ويشرح، وينصح، ويحلّل، ويعلّق، ويقترح، وكل ذلك في استجابة واحدة أحيانًا. هذا السلوك لا ينبع من خلل داخلي، بل من فراغ وظيفي. النموذج لا يعرف ما الذي يُنتظر منه بالضبط، فيحاول أن يكون كل شيء في آن واحد. والنتيجة تكون نصًا غنيًا ظاهريًا، لكنه مشتّت، وغير قابل للاستخدام المباشر. حين نبدأ بتحديد الدور، نحن لا نغيّر هوية النموذج، بل نحدّد الوظيفة النشطة التي يعمل بها في هذه اللحظة. الدور هو العدسة العملية للهوية. فإذا كانت الهوية تقول: هذا نموذج أكاديمي، فإن الدور يضيف: هل هو معلّم يشرح؟ أم مراجع يقيّم؟ أم باحث يلخّص؟ أم مستشار يوجّه؟ كل دور من هذه الأدوار يستخدم اللغة نفسها، لكنه يسلك بها مسارًا مختلفًا تمامًا. يتّضح أثر الدور مباشرة عند أول تجربة تطبيقية. نأخذ سؤالًا واحدًا، مثل: “اشرح مفهوم التعلّم الآلي”. حين يُطرح السؤال بلا تحديد دور، يأتي الجواب عادة موسوعيًا: تعريف، تاريخ مختصر، أمثلة عامة، وربما تطبيقات. لكن حين نحدّد الدور، يتغيّر كل شيء. فإذا عُرّف النموذج بوصفه معلّمًا للمبتدئين، جاءت الإجابة مبسّطة ومتدرجة. وإذا عُرّف بوصفه مراجعًا نقديًا، ركّز على الحدود والمشكلات. وإذا عُرّف بوصفه مستشارًا مختصرًا، قدّم خلاصة عملية بلا إسهاب. السؤال واحد، لكن الدور هو الذي أعاد تشكيل الجواب. يعمل النموذج، في غياب الدور، وفق أكثر الأدوار شيوعًا في بياناته، وهو “المجيب العام”. هذا الدور الافتراضي آمن، لكنه نادرًا ما يكون مناسبًا للعمل الجاد. فهو لا يعرف متى يتوقّف، ولا متى يختصر، ولا متى يمتنع عن الشرح. وحين نشعر بأن الإجابة أطول من اللازم، أو أوسع من المطلوب، فإننا في الغالب لم نُخطئ في السؤال، بل أهملنا تحديد الدور. تزداد أهمية الدور حين نبدأ بإدخال القيود. فقولنا إن النموذج يعمل بوصفه “منفّذًا حرفيًا للتعليمات” يغيّر سلوكه جذريًا. هنا لا يضيف، ولا يقترح، ولا يفسّر، بل يلتزم بما طُلب منه فقط. هذا الدور يكون حاسمًا في المهام الحساسة، حيث يكون أي توسّع غير مرغوب فيه. وفي المقابل، حين نريده أن يكون “مفكّرًا استكشافيًا”، نفتح له مساحة أوسع للتوليد والربط. الدور هنا لا يقيّد الذكاء، بل يوجّه اتجاهه.