الوحدة السابعة: ضبط الانحراف
كيف نعيد النموذج إلى المسار الصحيح؟
نبدأ هذه الوحدة من تجربة لا تخطئها العين مهما بلغت خبرتنا. نكتب توجيهًا واضحًا، نحدّد الهوية، نضبط الدور، نبيّن السياق، نختار النبرة، نضع الحدود، ونوجّه آلية التفكير، ثم نفاجأ بأن النموذج انحرف قليلًا عن المسار. ليس انحرافًا فادحًا، بل انزلاقًا خفيفًا: توسّع غير مطلوب، افتراض لم نذكره، نبرة خرجت عن المزاج المقصود، أو استنتاج قفز خطوة أبكر مما ينبغي. عند هذه اللحظة يظهر سؤال عملي لا مفرّ منه: ماذا نفعل الآن؟
هنا نكتشف أن التعامل مع النموذج ليس حدثًا واحدًا، بل عملية مستمرة. النموذج لا “يخطئ” لأنه تمرّد، ولا ينحرف لأنه تجاهل التعليمات، بل لأنه يعمل ضمن احتمالات، وأي احتمال لم يُغلق صراحة يبقى مفتوحًا. ضبط الانحراف لا يعني معاقبته، ولا إعادة كل شيء من الصفر، بل يعني إعادة التوجيه الذكي.
نلاحظ أن أول خطأ شائع نقع فيه هو محاولة تصحيح النتيجة بدل تصحيح السبب. نطلب إعادة الصياغة، أو نغيّر الطلب كاملًا، أو نضيف توجيهات كثيرة دفعة واحدة. غالبًا يزيد هذا التعقيد بدل أن يحل المشكلة. بينما الانحراف في جوهره يكون بسيطًا: خطوة زائدة، افتراض غير مُصرّح به، أو حدود لم تكن كافية الوضوح.
ضبط الانحراف يبدأ بالوعي بأن النموذج يتعلّم من الحوار نفسه. كل تعقيب نكتبه هو إشارة جديدة. حين نقول له إن هذا الجزء غير مطلوب، أو إن هذا التوسّع خارج النطاق، أو إن هذه النبرة لا تناسب السياق، فإننا لا نصحّح مخرجًا فقط، بل نعدّل المسار الذي سيسلكه في الرد التالي. النموذج لا يحتج، ولا يدافع، بل يعيد الوزن الاحتمالي وفق الإشارة الجديدة.
تظهر قوة هذا الضبط حين نستخدمه بهدوء ودقة. بدل أن نقول “الإجابة غير صحيحة”، نقول “التوسّع في هذا الجزء غير مطلوب، التزم بالنقاط الأساسية فقط”. وبدل أن نقول “غيّر الأسلوب”، نقول “حافظ على النبرة التحليلية دون استخدام لغة تحفيزية”. هذه التوجيهات الجزئية تعمل كإشارات تصحيح مسار، لا كإعادة بناء كاملة.
من المهم إدراك أن الانحراف ليس دائمًا سلبيًا. أحيانًا يكشف لنا ما لم نكن نراه. النموذج قد يلفت الانتباه إلى زاوية مهملة، أو يقدّم ربطًا غير متوقّع. هنا لا نكبحه تلقائيًا، بل نقرّر: هل هذا الانحراف مفيد أم مضرّ؟ ضبط الانحراف لا يعني قمع كل خروج، بل اختيار ما يُعاد توجيهه وما يُستثمر.
ومع تكرار التفاعل، نلاحظ أن النموذج يستقرّ تدريجيًا. كل تصحيح واضح يقلّل الحاجة إلى تصحيح لاحق. الحوار يتحوّل من سلسلة أوامر إلى عملية ضبط دقيقة، أشبه بتوجيه آلة حسّاسة عبر تعديلات صغيرة متتالية. هذا الاستقرار هو ما يميّز الاستخدام الواعي عن الاستخدام العشوائي.
في تمرين عملي بسيط، نترك النموذج يجيب أولًا دون تدخّل كبير، ثم نكتب تعقيبًا واحدًا فقط يحدّد موضع الانحراف بدقة. نعيد الطلب، ونراقب النتيجة. غالبًا نلاحظ تحسّنًا واضحًا دون الحاجة إلى إعادة صياغة كل التعليمات. هذا التمرين يعلّمنا أن قوة التصحيح في دقته، لا في كثافته.
مع الوقت، يتحوّل ضبط الانحراف إلى مهارة ذهنية. نبدأ بقراءة المخرجات بعين تشخيصية: أين خرج عن الدور؟ أين تجاوز الحدود؟ في أي موضع لم يلتفت للنبرة؟ هذا التشخيص السريع يجعل التوجيه التالي أقصر وأوضح. وهنا ننتقل من ردّ الفعل إلى التحكم.
في نهاية هذه الوحدة، نصل إلى قناعة عملية: النموذج لا يُضبط مرة واحدة، بل يُضبط عبر حوار واعٍ. والانحراف ليس علامة فشل، بل جزء طبيعي من نظام احتمالي. الفارق الحقيقي بين الاستخدام العادي والاستخدام المتقدّم هو القدرة على إعادة النموذج إلى المسار دون كسر الإيقاع أو إرباك البنية.
وبهذا الفهم، يصبح الانتقال إلى الوحدة الأخيرة—التحقق والجودة—انتقالًا منطقيًا. فبعد أن عرفنا كيف نعيد النموذج إلى المسار، يبقى السؤال الأخير: متى نثق بأن المسار أصبح صالحًا للاعتماد؟ ومتى نعيد التكوين من جديد؟
__________
مركز علوم الدولي للذكاء الاصطناعي (د. عبد الرحمن الزراعي)
_________
ما وجهة نظرك حول الموضوع
5:00
9
7 comments
Abdulrahman Alzarraei
7
الوحدة السابعة: ضبط الانحراف
powered by
النماذج الذكية | Custom GPTs
نماذج مخصّصة صُمّمت لتمكين أصحاب المشاريع من توظيف الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية، تخلق قيمة حقيقية، لتحقيق الدخل وتطوير الأعمال دون تعقيد تقني.
Build your own community
Bring people together around your passion and get paid.
Powered by