الوحدة السادسة: آلية التفكير
كيف يعالج النموذج قبل أن يجيب؟
ننتقل في هذه الوحدة من ضبط ما يُقال وحدوده إلى ما هو أعمق وأقل ظهورًا: كيف يصل النموذج إلى ما يقوله أصلًا. فبعد أن حدّدنا الهوية، والدور، والسياق، والنبرة، ووضعنا حدود الحركة، يبقى السؤال الذي يسبق كل ذلك زمنيًا: كيف يعالج النموذج الطلب قبل أن يكتب أول كلمة؟
نبدأ هذه الوحدة من ملاحظة تتكرّر مع كث الع الاستخدام. نطرح سؤالًا واحدًا بصيغتين مختلفتين، فنحصل على نتيجتين متباينتين في العمق والترتيب، رغم أن المعلومات المطلوبة واحدة. أحيانًا يأتي الجواب مرتبًا كأنه مرّ بخطوات واضحة، وأحيانًا يبدو كأنه قفز مباشرة إلى النتيجة. عند هذه اللحظة ندرك أن الفرق لم يكن في المعرفة، بل في طريقة المعالجة.
النموذج لا يفكّر كما نفكّر نحن، لكنه لا يعمل عشوائيًا أيضًا. هو ينتقل من النص المدخل إلى النص المخرج عبر مسار داخلي من الترجيحات، والروابط، والاستدعاءات. هذا المسار يمكن أن يكون سطحيًا سريعًا، ويمكن أن يكون متدرّجًا تحليليًا، ويمكن أن يكون استكشافيًا واسعًا. الفرق بين هذه المسارات لا يظهر من تلقاء نفسه، بل يتشكّل بحسب ما نسمح له به أو نطلبه منه.
حين لا نحدّد آلية تفكير، يميل النموذج إلى أقصر طريق. يقدّم إجابة مباشرة، غالبًا صحيحة، لكنها قد تفتقر إلى التبرير أو العمق. هذا السلوك مناسب للأسئلة البسيطة، لكنه يصبح مشكلة في المسائل المركّبة. هنا لا يكون الخلل في النتيجة النهائية، بل في الطريق الذي أُخذ للوصول إليها. طريق مختصر قد يتجاوز نقاطًا كان ينبغي التوقف عندها.
عندما نبدأ في توجيه آلية التفكير، نلاحظ تغيّرًا واضحًا في بنية الإجابة. مجرد طلب بسيط مثل “حلّل خطوة خطوة” أو “فكّر قبل أن تجيب” يجعل النموذج يعيد ترتيب المعالجة. هو لا “يتأنّى” بالمعنى الإنساني، لكنه ينتقل إلى مسار ترجيحي أعمق، يستدعي فيه علاقات أكثر، ويؤجّل الإخراج النهائي حتى تكتمل الصورة.
يتّضح أثر هذا الضبط في المهام التحليلية بشكل خاص. في حلّ مسألة، أو تقييم فكرة، أو مقارنة بدائل، يكون الفرق بين نتيجة سطحية ونتيجة متماسكة هو آلية التفكير المفروضة. النموذج الذي يُسمح له بالقفز قد يصل إلى جواب صحيح جزئيًا، لكنه يترك خلفه فجوات منطقية. أما النموذج الذي يُطلب منه أن يمرّ بمراحل، فإنه يملأ هذه الفجوات تلقائيًا.
ومن المهم إدراك أن آلية التفكير ليست واحدة لكل المهام. أحيانًا نحتاج تفكيرًا خطّيًا متدرّجًا، وأحيانًا نحتاج تفكيرًا مقارنًا، وأحيانًا تفكيرًا نقديًا، وأحيانًا تفكيرًا توليديًا حرًا. المشكلة لا تكون في اختيار مسار واحد، بل في استخدام مسار واحد لكل شيء. النموذج لا يعرف متى يغيّر المسار إلا إذا قيل له.
في تجربة عملية بسيطة، نأخذ سؤالًا معقّدًا ونطرحه مرتين. في المرة الأولى نطلب الإجابة مباشرة. وفي المرة الثانية نطلب من النموذج أن يحدّد الافتراضات أولًا، ثم يناقش الاحتمالات، ثم يصل إلى نتيجة. الفارق لا يكون في الطول فقط، بل في جودة الترابط الداخلي. في النسخة الثانية نشعر أن الجواب “مُفكَّر فيه”، لا مُستخرَج بسرعة.
وهنا نصل إلى نقطة دقيقة: ضبط آلية التفكير لا يعني إطالة النص دائمًا. قد نطلب تفكيرًا عميقًا ثم إخراجًا مختصرًا. النموذج قادر على ذلك إذا وُجّه بشكل صحيح. ما نضبطه هنا ليس حجم الكلام، بل عمق المعالجة قبل الكلام. وهذا التفريق يغيّر طريقة استخدامه جذريًا.
مع الوقت، يتكوّن لدينا وعي جديد: كثير من الأخطاء التي كنّا ننسبها إلى “ضعف النموذج” كانت في الحقيقة نتيجة لمسار تفكير غير مناسب للمهمة. وحين نغيّر هذا المسار، تختفي الأخطاء دون تغيير السؤال نفسه. هذا الإدراك وحده يجعل هذه الوحدة من أهم وحدات المنهج.
في نهاية هذه الوحدة، نصل إلى خلاصة واضحة: النموذج لا يحتاج فقط أن يعرف ماذا يفعل، وكيف يتكلم، وأين يتوقف، بل يحتاج أن يُقاد في كيف يعالج. ضبط آلية التفكير هو ما يحوّل الذكاء من استجابة سريعة إلى أداة تحليل موثوقة. ومع هذا الضبط، يصبح الانتقال إلى الوحدة التالية—ضبط الانحراف—انتقالًا منطقيًا، لأن من يحدّد طريقة التفكير يستطيع أيضًا أن يعيدها إلى المسار الصحيح إذا انحرفت.
__________
مركز علوم الدولي للذكاء الاصطناعي (د. عبد الرحمن الزراعي)
__________
ما تعليقك حول هذا الموضوع
5:46
8
4 comments
Abdulrahman Alzarraei
7
الوحدة السادسة: آلية التفكير
powered by
النماذج الذكية | Custom GPTs
نماذج مخصّصة صُمّمت لتمكين أصحاب المشاريع من توظيف الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية، تخلق قيمة حقيقية، لتحقيق الدخل وتطوير الأعمال دون تعقيد تقني.
Build your own community
Bring people together around your passion and get paid.
Powered by