الوحدة الأولى: هوية النموذج
هوية النموذج – من يكون قبل أن يتكلم؟
نبدأ هذا المحور من لحظة إدراك هادئة، لا تأتي عادة في أول تجربة، بل بعد سلسلة من المحاولات المتراكمة. نكتب أوامر مختلفة، نجرّب صيغًا متعددة، نعدّل الكلمات، ثم نلاحظ أن النموذج أحيانًا يعطي نتائج مبهرة، وأحيانًا أخرى يقدّم مخرجات عامة، مائعة، أو غير منسجمة مع ما نريده فعلًا. عند هذه اللحظة يتشكّل السؤال الحقيقي، لا عن جودة النموذج، بل عن هويته: من يكون هذا النموذج الذي نخاطبه؟
عند التوقف أمام هذا السؤال، يتضح أن النموذج لا يدخل الحوار وهو يعرف من يكون. هو لا يملك تعريفًا ذاتيًا، ولا تصورًا عن وظيفته، ولا حدودًا داخلية لما ينبغي فعله أو الامتناع عنه. هو كيان جاهز للتوليد، لكنه بلا شخصية محددة. كل ما يفعله لاحقًا يتشكّل استجابة لما نزرعه فيه في البداية. وهنا تظهر الهوية التشغيلية بوصفها نقطة الانطلاق الأولى، لا خطوة تكميلية.
حين نمنح النموذج هوية، نحن لا نعلّمه معلومات جديدة، بل نحدّد زاوية استخدام المعرفة التي يمتلكها بالفعل. الهوية لا تزيد ذكاءه، لكنها تنظّم هذا الذكاء داخل مسار واضح. بدون هوية، يتنقّل بين أدوار متعددة دون وعي: مرة يتكلم كمعلّم، ومرة ككاتب عام، ومرة كمحلّل، ومرة كمجيب سريع. هذا التنقّل لا يحدث لأنه “مضطرب”، بل لأنه لم يُطلب منه أن يكون شيئًا محددًا.
يعمل النموذج، في حال غياب الهوية، وفق متوسطات عامة تعلّمها من بيانات واسعة. فيختار الأسلوب الأكثر شيوعًا، والنبرة الأكثر أمانًا، والمحتوى الأقل التزامًا. لذلك تأتي المخرجات صحيحة ظاهريًا، لكنها بلا شخصية واضحة. وحين نشتكي من العمومية، فإننا في الحقيقة نشتكي من غياب الهوية، لا من ضعف الأداء.
عندما نبدأ بتحديد الهوية، يبدأ السلوك بالتغيّر. فمجرد أن نخبر النموذج أنه يعمل بوصفه محرّكًا متخصصًا في مجال معيّن، تتغيّر طريقة قراءته لكل طلب لاحق. الطلب نفسه يُفسَّر بشكل مختلف. الجملة الواحدة تأخذ مسارًا آخر. ليس لأن الكلمات تغيّرت، بل لأن الإطار الذي تُفهم داخله تغيّر.
على سبيل المثال، حين نحدّد أن النموذج يعمل بوصفه محرّكًا متخصصًا في تشكيل النصوص العربية، فإننا نغلق عنه أبوابًا كثيرة دون أن نذكرها صراحة. هو لا ينتقل إلى التفسير، ولا يشرح القواعد، ولا يصحّح النص، حتى لو كان قادرًا على ذلك. ليس لأنه عاجز، بل لأن هويته تمنعه. هذا المنع ليس عيبًا، بل هو عين التخصص. فالنموذج المتخصص يُقاس بقدرته على الرفض بقدر ما يُقاس بقدرته على الإنجاز.
ومع تحديد اللغة المعتمدة ضمن الهوية، يتغيّر سلوك آخر أكثر دقة. حين نلزمه بالعربية الفصحى المحكمة، لا يعود يتسامح مع التراكيب الهجينة أو العبارات الدارجة. هو لا “يستاء” من العامية، ولا “يفضّل” الفصحى، لكنه يتصرّف وفق ما فُرض عليه. ومع التكرار، يصبح هذا السلوك ثابتًا، لا يحتاج إلى إعادة توجيه في كل مرة. وهنا تبدأ الهوية بالعمل بوصفها نظامًا داخليًا، لا تعليمة مؤقتة.
ثم يأتي عنصر الفئة المستهدفة، وهو من أكثر عناصر الهوية تأثيرًا وأقلها ملاحظة. عندما نحدّد أن النموذج يخاطب باحثين أو معلّمين أو مطوّري تطبيقات، تتغيّر النبرة تلقائيًا. هو لا يعلن هذا التغيير، لكنه يعكسه في اختيار المفردات، وفي ترتيب الأفكار، وفي مستوى التفصيل. النص نفسه، في موضوع واحد، يخرج بثلاث صور مختلفة، لأن الهوية رسمت له جمهورًا متخيّلًا يتوجّه إليه.
ومن خلال التجربة، نلاحظ أن النموذج الذي يعمل بهوية واضحة يصبح أكثر اتساقًا عبر الزمن. نفس الطلب، في جلسات مختلفة، يعطي نتائج متقاربة في الأسلوب والنبرة. بينما النموذج بلا هوية يعطي نتائج متقلبة، حتى لو كانت الأوامر متشابهة. هذا الاتساق هو أول علامة على أن الهوية بدأت تؤدي دورها الحقيقي.
عند هذه النقطة، يظهر اعتراض شائع: هل الهوية تقيّد النموذج؟ والواقع أن ما يحدث هو العكس تمامًا. النموذج بلا هوية يكون واسع الحركة لكنه بلا اتجاه. أما النموذج بهوية واضحة، فيتحرّك بحرية داخل مسار محدد. الحرية هنا ليست في الاتساع، بل في الوضوح. وكلما كان المسار أوضح، كانت النتائج أدق.
ولكي تتضح الفكرة عمليًا، نجرّب تمرينًا بسيطًا. نأخذ فقرة واحدة، ونطلب من النموذج معالجتها ثلاث مرات. في المرة الأولى دون أي تعريف للهوية. في الثانية بهوية عامة غامضة. وفي الثالثة بهوية تشغيلية دقيقة. الفارق لا يظهر فقط في جودة اللغة، بل في ثبات السلوك، وفي وضوح الرفض، وفي غياب التشتت. هذه التجربة وحدها تكفي لإثبات أن الهوية ليست عنصرًا تجميليًا، بل عنصرًا بنيويًا.
ومع تكرار هذه الممارسات، نصل إلى خلاصة أساسية: الهوية التشغيلية ليست نصًا افتتاحيًا في تعليمات التكوين، بل هي القرار الأول الذي يُبنى عليه كل قرار لاحق. كل خلل في الدور، أو السياق، أو النبرة، أو الحدود، غالبًا ما يعود إلى خلل هنا. ولذلك فإن البدء بالهوية ليس خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة هندسية.
بهذا الفهم، لا نعود نتعامل مع الهوية بوصفها تعريفًا مختصرًا، بل بوصفها الأساس الذي يولد عليه النموذج كشخصية رقمية. ومع وضوح هذا الأساس، يصبح ما سيأتي بعده—من أدوار، وسياقات، ونبرات، وحدود—أكثر سهولة، وأكثر دقة، وأكثر قابلية للضبط.
__________
مركز علوم الدولي للذكاء الاصطناعي (د. عبد الرحمن الزراعي)
_________
ما تعليقك حول الموضوع
5:14
9
6 comments
Abdulrahman Alzarraei
7
الوحدة الأولى: هوية النموذج
powered by
النماذج الذكية | Custom GPTs
نماذج مخصّصة صُمّمت لتمكين أصحاب المشاريع من توظيف الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية، تخلق قيمة حقيقية، لتحقيق الدخل وتطوير الأعمال دون تعقيد تقني.
Build your own community
Bring people together around your passion and get paid.
Powered by