الوحدة الخامسة: النطاق والحدود
متى يتوقّف النموذج؟
ننتقل في هذه الوحدة إلى لحظة مفصلية في التعامل مع النماذج، لحظة لا تتعلق بما يستطيع النموذج فعله، بل بما يجب ألا يفعله. بعد أن تشكّلت الهوية، واستقرّ الدور، واتّضح السياق، وضُبطت النبرة والأسلوب، يظهر سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق: أين ينبغي أن يتوقّف النموذج؟
نبدأ هذه الوحدة من تجربة مألوفة. نكتب توجيهًا واضحًا، نحصل على استجابة جيدة، ثم نلاحظ أن النموذج بدأ يتوسّع أكثر مما نريد، أو يضيف أمثلة لم نطلبها، أو يقدّم تحليلات جانبية لا نحتاجها. لا يكون الخطأ في اللغة، ولا في الفهم، بل في غياب حدود واضحة. النموذج، بطبيعته، لا يعرف متى يكفي. هو يميل إلى الإكمال، والتوسّع، والاسترسال، لأن هذا السلوك هو الأكثر شيوعًا في أنماط التعلّم التي بُني عليها.
عند هذه النقطة ندرك أن الذكاء، حين لا يُحاط بحدود، يتحوّل إلى عبء. فالنموذج القادر على توليد الكثير، إن لم نحدّد له سقفًا، قد يغرقنا في ما لا نحتاجه. هنا يظهر مفهوم النطاق والحدود لا بوصفه قيدًا خانقًا، بل بوصفه صمام أمان. الحدود لا تُقلّل من القيمة، بل تحميها من التشتّت.
النطاق هو المساحة التي نسمح للنموذج أن يتحرّك داخلها. هو المجال الذي نقول له فيه: هنا تعمل، وهنا تتوقّف. أما الحدود فهي الخطوط التي لا يُسمح له بتجاوزها مهما بدا الأمر مغريًا. الفرق بينهما دقيق لكنه حاسم. قد نحدّد للنموذج نطاقًا معرفيًا معيّنًا، لكننا إن لم نضع حدودًا سلوكية، فقد يخرج عن الهدف دون أن يخرج عن الموضوع.
يعمل النموذج، في غياب هذه الحدود، وفق مبدأ الإكمال الأقصى. كلما وجد فرصة لإضافة شيء مرتبط، أضافه. كلما رأى احتمالًا للتفسير، فسّره. وكلما لاح له مجال للتوسّع، توسّع. هذا السلوك قد يكون مفيدًا في الاستكشاف، لكنه يصبح مشكلة في العمل المنضبط. وهنا تبدأ أهمية أن نعلّم النموذج متى يتوقّف كما نعلّمه متى يبدأ.
نلاحظ هذا بوضوح حين نطلب منه مهمة محددة، مثل تلخيص نص. إن لم نحدّد حجم التلخيص، أو مستوى التفصيل، أو ما يجب استبعاده، فقد يقدّم ملخّصًا أطول من النص الأصلي. لم يخطئ، بل لم يُمنع. والفرق بين الخطأ وعدم المنع هو جوهر هذه الوحدة.
الحدود يمكن أن تكون كمية، مثل عدد النقاط أو طول النص. ويمكن أن تكون نوعية، مثل منع التفسير، أو منع الأمثلة، أو منع الخروج عن النص الأصلي. ويمكن أن تكون أخلاقية أو سياقية، مثل عدم تقديم نصائح قانونية أو طبية. النموذج لا يستنتج هذه الحدود بنفسه، بل ينتظر أن تُقال له بوضوح.
ومع التجربة، نكتشف أن وضع الحدود لا يجعل النموذج أقل تعاونًا، بل أكثر التزامًا. النموذج الذي يعرف حدوده يعمل بثقة داخلها. أما النموذج الذي لا يعرفها، فيبقى في حالة تخمين دائم. هذا التخمين هو مصدر معظم الانحرافات التي نشتكي منها لاحقًا.
في تمرين عملي بسيط، نأخذ طلبًا واحدًا ونكرّره بصيغتين. في الصيغة الأولى نطلب المهمة دون أي تحديد للحدود. وفي الصيغة الثانية نضيف جملة واحدة فقط توضّح ما لا نريده. الفارق في النتيجة يكون واضحًا وفوريًا. أحيانًا تكون هذه الجملة الواحدة كافية لتوفير نصف الجهد الذي كنّا نبذله في التصحيح.
ومع الوقت، يتحوّل التفكير في الحدود إلى عادة ذهنية. لا نكتب التوجيه فقط، بل نسأل أنفسنا قبل إرساله: ما الذي لا أريده من هذه الاستجابة؟ هذا السؤال، حين يصبح جزءًا من طريقة العمل، يغيّر جودة التفاعل جذريًا. ننتقل من التعامل مع النموذج بوصفه مولّدًا مفتوحًا، إلى التعامل معه بوصفه أداة دقيقة.
في نهاية هذه الوحدة، نصل إلى قناعة هادئة لكنها حاسمة: الحدود ليست عائقًا أمام الذكاء، بل شرطًا لاستخدامه بفعالية. الهوية تعطيه شخصية، والدور يعطيه وظيفة، والسياق يعطيه اتجاهًا، والنبرة تعطيه أثرًا، أما الحدود فتعطيه الانضباط. ومن دون هذا الانضباط، يبقى كل ما سبق عرضة للانفلات.
وبهذا الفهم، يصبح الانتقال إلى الوحدة التالية—آلية التفكير—انتقالًا طبيعيًا. فبعد أن عرفنا أين يجب أن يتوقّف النموذج، يبدأ السؤال الأعمق: كيف يعالج قبل أن يصل إلى هذا التوقّف؟
__________
مركز علوم الدولي للذكاء الاصطناعي (د. عبد الرحمن الزراعي)
__________
ما وجهة نظرك حول الموضوع - قم بالتعليق
6:29
10
8 comments
Abdulrahman Alzarraei
7
الوحدة الخامسة: النطاق والحدود
powered by
النماذج الذكية | Custom GPTs
نماذج مخصّصة صُمّمت لتمكين أصحاب المشاريع من توظيف الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية، تخلق قيمة حقيقية، لتحقيق الدخل وتطوير الأعمال دون تعقيد تقني.
Build your own community
Bring people together around your passion and get paid.
Powered by