تبدأ هذه الوحدة عندما يلاحظ المستخدم أن جودة التفاعل لا تعتمد فقط على المهارة التقنية أو الوعي النقدي، بل على حدود الاستخدام نفسه. فكلما طال الاعتماد على النموذج، وكلما اتسعت المهام التي يُسندها إليه، ظهر خطر جديد غير تقني: خطر الاعتماد الزائد. هنا لا يكون الخلل في الإجابة، بل في العلاقة التي تتكوّن بين المستخدم والأداة.
في هذا المستوى يبدأ المستخدم بملاحظة تحوّل دقيق في سلوكه. قد يلجأ إلى النموذج قبل أن يفكّر بنفسه، أو يطلب رأيه بدل أن يبني رأيًا أوليًا، أو يثق في التوليد السريع أكثر من التحليل البطيء. هذا التحوّل لا يحدث فجأة، بل يتسلّل بهدوء، مستفيدًا من سهولة الوصول وسرعة الاستجابة.
يدرك المستخدم الناضج أن النموذج لا ينبغي أن يكون بديلًا عن التفكير، بل محفّزًا له. فكلما حلّ النموذج محل الجهد الذهني البشري، ضعفت المهارة الأصلية التي كان من المفترض أن يدعمها. لذلك يصبح من الضروري إعادة ضبط العلاقة: متى أستخدم النموذج؟ ولماذا؟ وفي أي مرحلة؟
في هذه المرحلة يتعلّم المستخدم أن يسبق التفاعل بمحاولة ذاتية. قد يفكّر أولًا، أو يكتب مسودة أولية، أو يضع تصورًا مبدئيًا، ثم يستخدم النموذج للمراجعة أو التوسيع أو الاختبار. بهذا الشكل يبقى العقل البشري في موقع القيادة، بينما يعمل النموذج بوصفه أداة دعم لا نقطة انطلاق.
كما يبدأ المستخدم في التمييز بين المهام التي يصلح فيها الاعتماد على النموذج، وتلك التي لا ينبغي أن يُفوَّض فيها. فالمهام الإبداعية الأولية، واتخاذ القرارات الحساسة، وبناء القناعات الشخصية، كلها مجالات تتطلب حضورًا بشريًا واعيًا لا يمكن استبداله بتوليد لغوي مهما بلغ من الإتقان.
ومع هذا الوعي يتكوّن نوع من الانضباط الأخلاقي في الاستخدام. لا يعود السؤال: هل يستطيع النموذج أن يفعل هذا؟ بل يصبح: هل ينبغي أن أفوّضه في هذا؟ هذا التحوّل في السؤال هو علامة نضج حقيقي في التعامل مع الذكاء الاصطناعي.
تنتهي هذه الوحدة عندما يصل المستخدم إلى توازن صحي في العلاقة مع النموذج. لا يُقصيه فيخسر فائدته، ولا يعتمد عليه فيفقد استقلاله الذهني. بل يستخدمه بوعي، ويحدّه عند الحاجة، ويحافظ على أن يكون التفكير البشري هو الأصل، والتوليد الآلي هو الدعم. عند هذه النقطة يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة جذّابة إلى أداة ناضجة ضمن منظومة عقل واعٍ.
__________
مركز علوم الدولي للذكاء الاصطناعي (د. عبد الرحمن الزراعي)
_________
ما وجهة نظرك حول الموضوع - شاركنا رأيك في التعليقات