رحلة إلى نفسي
هناك أحلام نختارها... وهناك أحلام تختارنا.
منذ طفولتي، كان للطائرات حكاية خاصة في قلبي.
كلما رأيت طائرة تعبر السماء، كنت أشير إليها وأقول لأمي بكل براءة:
"خالو يا ماما... خالو."
كنت أظن أن كل طائرة تحمل أحد أقاربي العائدين من السفر، ومع الأيام ترسخت في داخلي فكرة لم يقلها لي أحد، لكنها كبرت معي... أن النجاح يسكن بعيدًا، وأن الطريق إليه يبدأ من المطار.
كبرت...
ودرست...
واجتهدت...
حتى تحقق حلم الطفل الصغير، وسافرت إلى الخليج.
أتذكر أول ليلة هناك... أغلقت باب غرفتي، وجلست وحدي. في تلك الليلة شعرت أنني لم أغادر مصر... بل غادرت نفسي . بل غادرت حياتي كلها في ليلة واحدة.
فقدت أمي، وأصدقائي، ومجتمعي، وزوجتي، وابنتي الصغيرة، ونجاحاتي . وعندها فهمت أن الغربة ليست بُعد المسافات... بل ثقل الفراغ الذي يتركه من نحب في قلوبنا.
وكان شعورًا غريبًا ومؤلما.
مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات.
اندمجت، وعملت، ونجحت، ورأيت أماكن كثيرة، لكن شيئًا بداخلي كان يخبرني دائمًا أن الإنسان قد ينجح في عمله... ويخسر دفء أشياء لا تُشترى.
وفي إحدى الإجازات، بينما كنت أستعد للعودة إلى عملي، أمسكت ابنتي الوسطى بيدي، ونظرت إليّ بعينيها الصغيرتين وقالت:
"يا بابا... متروحش الشغل البعيد... روح شغل قريب ونام معنا علشان مش عايزاك تنام لوحدك 🥹."
ابتسمت حتى لا ترى دموعي...
لكنني عندما ابتعدت عنها...
بكيت.
بكيت لأن طفلة صغيرة اختصرت الحياة كلها في جملة واحدة.
سافرت بعدها مرة أخرى...
لكن الغربة لم تعد كما كانت.
كان جسدي هناك...
أما قلبي، فقد بقي هنا.
وبعد عامين، اتخذت قرارًا غيّر حياتي...
عدت إلى مصر...
هذه المرة بلا عودة. لكنني لم أعد ياسر الذي سافر، ولم تعد مصر كما تركتها. كلانا تغيّر. عدت بعينٍ ترى الحياة بشكل مختلف، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير... ذلك الحنين الذي يجعل الإنسان، مهما ابتعد، يشتاق إلى المكان الذي بدأت فيه حكايته. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أبحث عن المكان الذي يحقق لي أكبر دخل... بل عن المكان الذي يمنح قلبي السكينة، ويمنح لحياتي معنى.
بدأت من جديد، من مشروع إلى آخر، حتى استقر بي الحال في تجارة الأدوات الصحية، وما زلت أتعلم كل يوم أن الرزق ليس في مكان، وإنما في بركة الله، وأن النجاح ليس أن تصل إلى مكان بعيد... بل أن تصل إلى نفسك.
واليوم...
وأنا أطوي صفحة عامٍ من عمري،
لا أشعر بالامتنان لأن السنوات مرت...
بل لأن الله كان معي في كل خطوة.
في كل حلم تحقق...
وفي كل حلم لم يتحقق...
وفي كل باب أُغلق...
ثم فتح لي بابًا خيرًا منه.
( محدش هيقولي كل سنة وانت طيب يا ابو اليسر ولا ايه 😇🥰💐)
لقد علّمتني الحياة أن أجمل ما يمكن أن يحققه الإنسان، ليس أن يجمع المال فقط...
بل أن يعود إلى بيته فيجد من ينتظره بحب.
وأن ينام وقلبه مطمئن.
وأن يترك أثرًا طيبًا في حياة الناس.
وإذا كان لي أمنية مع بداية عام جديد من عمري...
فهي أن يجعلني الله أفضل مما كنت، وأن يبارك في أهلي، ويرزقني العلم والعمل النافع، وأن يجعل ما بقي من عمري أجمل مما مضى.
وإن كان لي عندكم طلب...
فلا أطلب إلا دعوة صادقة بظهر الغيب...
فقد علّمتني الحياة أن دعوةً واحدة، قد تغيّر رحلة إنسان كاملة.
🤍
ياسر
9
19 comments
Yasser Ramadan
6
رحلة إلى نفسي
أكاديمية صلاح مكي
رحلةٌ روحانية مع صلاح مكي يأخذك من أساسيات الجسد الطاقي إلى أعماق علم الأنوار بيتٌ آمنٌ للباحثين عن الحقيقة، لا تفرّقهم العقيدة ولا تحدّهم اللغة
Leaderboard (30-day)
Powered by