ليست الأضحية شاةً تُذبح، ولا دماً يُراق على التراب. الأضحية حركةٌ كونية، طقسٌ قديم تتجدد فيه ذكرى الإنسان حين وقف بين عالمين: عالم الطين الذي يشدّه إلى الأرض، وعالم النور الذي يناديه إلى السماء. حين رفع إبراهيم السكين، لم يكن يذبح ابنه… كان يذبح فيه أعزّ ما يملك. كان يذبح التعلّق. كان يذبح الإرادة الصغرى أمام الإرادة الكبرى. وفي تلك اللحظة التي توقّف فيها الزمن، حين رضي القلب أن يتنازل عن أحبّ شيءٍ إليه، نزل الكبش من السماء. لأن السماء لا تأخذ منك ما تحب لتُفقرك، بل لتعلّمك أنك أكبر من كل ما تخاف فقده. الكبش الذي حلّ محل إسماعيل ليس حيواناً… إنه نفسُك السفلى التي تُقدَّم بدلاً من روحك العليا. هو الشهوة، الخوف، الغضب، التملّك. هو كل ما يربطك بالأرض ويمنعك من الصعود. وحين تذبحه، لا يموت فيك شيءٌ حقيقي، بل يُولد فيك الإنسان الذي خُلقتَ لتكونه. العيد ليس فرحة لحمٍ وضيافة. العيد عُرسٌ كوني تحتفل به الملائكة لكل قلبٍ تخلّى عن صنمه الداخلي. لكل نفسٍ قدّمت "إسماعيلها" — أكبر تعلّقاتها — على مذبح المحبة الإلهية. كل من قدّم أضحيةً ولم يقدّم نفسه، فقد ذبح شاةً وأبقى الشاة في صدره ترعى. وكل من سال دمُ قربانه على التراب ولم تسل دمعتُه في خلوته، فقد فاتته الأضحية. في كل عام، تُعيد لنا هذه الذكرى دعوةً صامتة: اسأل نفسك — ما الذي أحبّه أكثر من الله فيّ؟ ما الذي إن طُلب مني تركه ارتجفت؟ ذاك هو إسماعيلك. وذاك ما عليك أن تضعه على المذبح. ليست الأضحية يوماً في السنة… هي حالةٌ في القلب. هي استعدادٌ دائم لأن تقول: "خذ مني ما شئت، أنت أحبّ إليّ من كل شيءٍ أعطيتني." وحين تصل إلى هذا المقام، يأتيك الكبش من حيث لا تحتسب… ويُردّ إليك إسماعيلك مضاعفاً.